مونديال 2026… بطولة صنعت الأرباح وخلّفت العواصف
تقرير تحليلي بقلم د. طلال عثمان
شهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، ختام أطول نسخ كأس العالم وأكثرها إثارة للجدل، في بطولة امتزج فيها النجاح التجاري غير المسبوق مع أكبر موجة انتقادات تطال «فيفا» منذ عقود.
فبينما احتفت المؤسسة الدولية بتحقيق أرباح قياسية ونسب مشاهدة تخطت التوقعات، كانت أصوات أخرى تتهم المنظّمين بـ تسييس كرة القدم، وتغليب المال على العدالة التنافسية، وتدمير روح اللعبة.

سياسة ترمب… ظلّ ثقيل على البطولة
لم تنجح اللجنة المنظمة في تحييد التوتر السياسي الذي صاحب المونديال، خصوصاً في ما يتعلق بقرارات الإدارة الأميركية تجاه بعض الدول المشاركة.
المشهد الأكثر حساسية كان المشاركة الإيرانية، حيث طغت السياسة على التعامل مع البعثة، وصولاً إلى تقييد حركة أفرادها داخل الأراضي الأميركية، في سابقة لم تشهدها بطولات كأس العالم الحديثة.

كما مثّل استبعاد الحكم الصومالي عمر أرتان بعد منعه من دخول الولايات المتحدة نقطة سوداء في سجل المنظمين، إذ بدا القرار مناقضاً لمبادئ «فيفا» التي تشدد على الفصل التام بين السياسة والتحكيم لضمان العدالة والمساواة.
تدخل رئاسي في قرار تحكيمي… حادثة ستبقى في التاريخ
الواقعة الأخطر تمثلت في تدخل الرئيس الأميركي لإلغاء بطاقة حمراء حصل عليها لاعب منتخب بلاده فولارين بالوغون، في خطوة أثارت عاصفة انتقادات عالمية، خصوصاً بعد رفض تطبيق المعاملة نفسها على منتخبات أخرى.

هذه الحادثة ستظل مرتبطة باسم جياني إنفانتينو، تماماً كما بقيت حادثة إلغاء الهدف الفرنسي في مرمى الكويت عام 1982 مرتبطة بنزول الشيخ فهد الأحمد إلى أرض الملعب.
لكن الفارق أن حادثة 2026 جاءت في عصر الاحتراف الكامل، وفي بطولة يفترض أنها محصّنة ضد أي تدخل سياسي مباشر.
الجانب المضيء… أميركا تبهر العالم تنظيمياً
رغم كل السلبيات، قدّم مونديال أميركا الشمالية مستوى تنظيمياً غير مسبوق.
فقد استفاد «فيفا» من تفوق الشركات الأميركية في التسويق وإدارة الفعاليات، ما جعل مناطق المشجعين والعروض الموسيقية وتجارب الجمهور داخل الملاعب وخارجها قفزة نوعية في تاريخ الاستضافة.

هذه البصمة الأميركية ستفرض نفسها على النسخ المقبلة، بعدما رفعت سقف التوقعات إلى مستوى يصعب القبول بما هو أدنى منه مستقبلاً.
دموع بمليارات الدولارات… وداع الجيل الذهبي
عرفت البطولة لحظات مؤثرة مع نهاية مسيرة نجوم الصف الأول:
نيمار، رونالدو، ميسي، مودريتش…
جيل كامل ودّع كأس العالم إلى الأبد، في مشاهد بكاء ستبقى جزءاً من ذاكرة المونديال، ليس فقط على المستوى العاطفي، بل أيضاً على مستوى القيمة التسويقية التي مثّلها هؤلاء النجوم خلال العقدين الماضيين.
?? إسبانيا… بداية عهد جديد؟
في المقابل، بدا أن السيطرة الإسبانية مرشحة للاستمرار، مع معدل أعمار يبلغ 25.2 سنة، وتشكيلة تضم نخبة من أبرز المواهب في العالم.
الأرقام التي سجلها «الماتادور» خلال البطولة تشير إلى أن الفريق قادر على المنافسة بقوة في نسخة 2030، التي ستشارك إسبانيا في تنظيمها، ما يفتح الباب أمام سيناريو تاريخي:
دولة تفوز بكأس العالم ثم تستضيف النسخة التالية.

مونديال 2026 كان بطولة هائلة تجارياً، مذهلة تنظيمياً، ومضطربة سياسياً.
نجح في صناعة تجربة جماهيرية غير مسبوقة، لكنه فشل في حماية استقلالية اللعبة، وفي ضمان العدالة التنافسية، وفي منع السياسة من التسلل إلى قلب الحدث.

إنها نسخة صنعت الأرباح… لكنها لم تصنع الإجماع.